الكتاب : شرح الرسالة

في تصنيف : فقه مالكي | عدد الصفحات : 831

بحث في كتاب : شرح الرسالة

الفهرس


ابن مسعود أنه كان يحمد الله- تعالى- ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بين كل تكبيرتين. ولا مخالف له.
ولأنها تكبيرات زوائد حال القيام؛ فوجب أن تتضمن بين كل تكبيرتين ذكرا أصله تكبيرات الجنازة.
ولأن كل تكبيرتين يجوز أن يكون ما بينهما ذكرا كتكبيرة السجود والرفع من السجود.
ولأنه ليس في الصلاة موضع للسكت.
والأصل في هذا أنه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم [ق/5 أ] توقيف في ذلك؛ فوجب ألا يثبت كونه مسنونا ولا غيره إلا بدليل، ولأن تقدير ذلك بقدر آية لا طويلة ولا قصيرة تقدير له بما لا دليل له ولا توقيف فيه؛ فلا فصل بينه وبين ما سواه من المقادير، وما رووه عن ابن مسعود فليس فيه أكثر من أنه كان يفعل ذلك، وهذا القدر لا يثبت كونه مسنونا، ولأنه ليس في الخبر أنه كان يقف الوقوف الذي قدروه أيضا.
واعتبارهم بتكبيرات الجنازة باطل؛ لأنه لا معنى لقولهم زائد لأنها موضوعة على هذا الترتيب ابتداء، وليس كذلك صلاة العيد؛ لأنها على بنية سائر الصلوات إلا أنها مخالفة لها في هذا المقدار فقط؛ فصح أن يقال: إن التكبيرات فيها زوائد.
وقولهم: في حال القيام.

لا تأثير له في الأصل أيضا؛ لأنه لا حال للصلاة على الجنازة إلا حال
الصفحة : 21


القيام، وأيضا فإن المعنى في ذلك أن صلاة الجنازة تتضمن الذكر والدعاء، فلو لم يجعل ذلك في حال القيام لأدى ذلك إلى بطلانه؛ لأنه ليس فيها موضع سوى القيام، وهو ما بين التكبيرات، والمعنى في التكبيرات الركوع والسجود أنه خارج من ركن إلى ركن يخالفه.
وقولهم: ليس في الصلاة موضع للسكت.
فلسنا نقول: إن السكوت سنة وأصل، وإنما يفعله انتظارا لفراغ من خلفه إن كان إماما، أو لا إمام إن كان مأموما، والله أعلم.
فرع
قال القاضي عبد الوهاب- رحمه الله-: قال مالك رحمه الله: إذا سها الإمام فقرأ قبل التكبير أتى بالتكبير، ثم أعاد القراءة، وسجد بعد السلام. وهذا ما لم يركع.
وقال الشافعي رحمه الله: في القديم، يعود إلى التكبير ويركع.
قال أصحابه: لأن التكبيرات هيئات في الصلاة، وترك الهيئات لا يوجب العود إليها إذا جاوز محلها؛ أصله إذا ترك السورة مع الحمد حتى ركع، ومحل التكبيرات قبل القراءة كما أن محل القراءة قبل الركوع.
وهذا الذي قالوه ليس بصحيح؛ وذلك لأن محل القراءة في صلاة العيد بعد التكبير، فإذا أتى بها قبله ولم يفت محل التكبير- الذي هو القيام- وجب أن يأتي به، ألا ترى أن محل السورة هو بعد قراءة الحمد فإذا أتى بها قبلها أتى بالحمد؛ فكذلك هاهنا، ولا معنى لتفريقهم بين الموضعين بأن قراءة الحمد من شرط صحة الصلاة وليس كذلك التكبير؛
الصفحة : 22


لأن ذلك لا يخرجه عما قلناه من وقوع كل واحد منهما في غير محله.
وقولهم: إن ترك الهيئات لا يرجع إليها إذا جاز محلها. فكذلك نقول، ولكن ما لم يركع فمحل التكبير باق، وليس يخرجه عن بقاء محله تقديم القراءة في غير موضعها.
فرع
قال القاضي أبو محمد بعد الوهاب- رحمه الله: إذا أتى بالتكبير أعاد القراءة، ولم يعتد بالقراءة الأولى، وفيه خلاف على مذهب الشافعي، وإنما قلنا ذلك؛ لأن محل القراءة باق عندنا ما لم يركع؛ فيجب أن يأتي بها لبقاء محلها.
وأما سجود السهو فلأنه تارك لمسنون- وهو التكبير- فيلزمه السهو.
وإنما قلنا: إنه بعد السلام؛ لأنه سهو زيادة، ألا ترى أن القراءة الأولى غير معتد بها وإنما الاعتداد بالقراءة الثانية.
فإن لم يذكر حتى ركع مضى وسجد قبل السلام لتركه التكبير.
فرع
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله- قال عبد الملك بن عبد العزيز: إذا جاء المأموم وقد كبر الإمام بعض التكبير كبر بتكبيره، ولم يقض ما فاته من التكبير، وإن كان بين تكبيرات الإمام من الفرج ما يمكنه أن يقضي الفائت فيه فليس ذلك عليه، فإن فاته التكبير كله كبر للإحرام فقط.
الصفحة : 23


قال: لأن التكبير الذي فاته بعد الافتتاح بمنزلة القراءة، فلما كان لا يقضي ما فاته من القراءة فكذلك التكبير.
فرع
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب- رحمه الله: إذا أدرك مع الإمام ركعة فإنه يكبر فيها للإحرام، ثم يكبر بتكبير الإمام.
وكيف يقضي التي فاتته؟ هل يقضيها بتكبير أم لا؟ اختلف أصحابنا في ذلك، فذكر القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق أنه قد روى عن مالك أنه يقضي بتكبير.
وقال عبد الملك: يقضى بالقراءة بغير تكبير.
قال عبد الملك: وقد قال بعض أصحابنا: يقوم فيكبر ستا، ثم يقرأ بأم القرآن وسورة جهرا. قال عبد الملك: ولست أقول به.
قيل له: أفيكبر سبعا؟
قال: لا، هذا لم يقله أحد؛ لأنه إذا فعل ذلك صار مفتتحا للصلاة مرتين، وافتتاحه مع الإمام لا يقضى، ألا ترى لمن فاته شيء من سائر
الصفحة : 24


الصلوات فإنما هذا إذا قضى حين يقوم بالقراءة ولا بعد الافتتاح.
ثم عدنا إلى الكتاب.
مسألة
قال رحمه الله: ثم يرقى المنبر، ويخطب، ويجلس في أول خطبته ووسطها، ثم ينصرف.
قال القاضي: أبو محمد عبد الوهاب بن علي- رحمه الله: قوله: إن الخطبة بعد الصلاة في العيدين معا؛ فذلك لما رواه ابن جريج عن عطاء عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يوم الفطر فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم خطب الناس [ق/6 أ] صلى الله عليه وسلم.
وروى شعبة عن أيوب عن عطاء قال: أشهد على ابن عباس، وشهد ابن عباس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج يوم فطر فصلى، ثم خطب وروى ابن جريج عن الحسن بن مسلم عن طاووس عن ابن عباس قال: شهدت العيد مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومع أبي بكر، ومع عمر رضي الله عنهما فبدؤوا بالصلاة قبل الخطبة.
وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر
الصفحة : 25